من قتل المشير أحمد بدوي؟ (3/3)

في 13 أكتوبر 1988 فتحت صفحة جديدة في ملف مقتل المشير أحمد بدوي زادت من غموضه وإثارته، حين نشرت صحيفة (الاتحاد) الإماراتية موضوعاً أكدت فيه أن عبود الزمر ـ أحد أبرز المتهمين باغتيال أنور السادات ـ كان خلال عمله في المخابرات الحربية قد شارك في إسقاط طائرة أحمد بدوي بتكليف من السادات نفسه، وقالت الصحيفة إن لديها تسجيلات بصوت عبود الزمر شخصياً تؤكد أنه اشترك في عملية اغتيال أحمد بدوي بتكليف من السادات، وأنه بسبب هذه الواقعة قام بعد ذلك بالتفكير في اغتيال السادات، لكن عبود الزمر الموجود في السجن وقتها، لم يسكت على هذا الاتهام الخطير الذي قَلَب الدنيا، وقام بإرسال رد نشرته صحيفة (الأحرار) المصرية مؤكداً أن نطاق عمله في المخابرات الحربية كان يختص بالعدو الصهيوني فقط، لكنه ترك الباب مفتوحاً للحديث عن اغتيال أحمد بدوي، حين قال إنه “لم يكن ممن يرشحون لأعمال مثل اغتيال أحمد بدوي”، وهو ما يتماشى مع تأكيد علوي حافظ لمحمود فوزي أن هناك شخصية من داخل الجيش تم تكليفها بتنفيذ اغتيال أحمد بدوي، لكنه لم يقل إن هذه الشخصية هي عبود الزمر.

لكن، يبقى السؤال بعد كل هذه التفاصيل المثيرة، إذا كان حادث مقتل المشير أحمد بدوي مليئاً بكل هذه الملابسات غير العادية والمثيرة للريبة، فلماذا لم يتم التحقيق بشكل موسع في الحادث المليء بالألغاز، ولماذا لم يطلب أحد فتح التحقيق في الحادث طيلة السنوات الماضية التي أعقبت رحيل السادات؟ وهل سبب ذلك وجود قناعة بعدم جدوى إعادة فتح التحقيق بعد مقتل قائدي الطائرة؟

حين سأل محمود فوزي اللواء محمد ماهر بدوي شقيق المشير بدوي عن أسباب عدم مطالبة الأسرة بفتح التحقيق رد عليه قائلاً: “لو كان السادات اللي عمل كده أهوه ربنا انتقم منه”، وحين سألنا السيدة ملك عبد العزيز الشاعرة الكبيرة وزوجة الكاتب الراحل د. محمد مندور ووالدة العقيد ماجد مندور أحد شهداء الحادث قالت لنا إنها متأكدة من أن السادات كان وراء الحادث، ثم أضافت بحزن: “لكن العوض على ربنا فقد ذهب الشهداء إلى الجنة وذهب السادات إلى الله أعلم”.

للشهيد ماجد ابنتان هما إيمان وداليا، تخرجت كلتاهما من كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية، وتحكي السيدة ملك عبد العزيز جدتهما أن ابنها أخبر زوجته قبل سفره أنهم في رحلة استكشافية لأن ليبيا تفكر في توجيه ضربة عسكرية لمصر وأن هذا هو سبب سفره بصحبة المشير أحمد بدوي، لكنها حين سألناها عما إذا كانت أسرة الشهيد ماجد مندور أو غيرها من الأسر تفكر في المطالبة بإعادة فتح ملف القضية قالت إنها شخصياً لا تعتقد بإمكانية إثبات ضلوع السادات في الموضوع لأن الجناة لم يتركوا دليل إدانتهم وبالتالي ليس هناك إمكانية لذلك، مضيفة: “لكن إذا ربنا أيقظ ضمير المشاركين في الحادث واتكلم حد فيهم سوف أبادر بطلب فتح القضية لأن دم أولادنا ما يروحش هدر لكن لحد ده ما يحصل ما فيش في إيدي حاجة ولو ظهر هذا التطور سألتقى بأسر الشهداء وأحاول عمل ذلك رغم أنني لا أشاهد أحدا منهم حتى أثناء زياراتي لمقابر الشهداء التي تحويهم جميعاً ولا أدري إن كان أحد من أسرة المشير أحمد بدوي يفكر في ذلك أم لا حيث أن الصلة منقطعة تقريبا بيني وبينهم”.

مقتل المشير أحمد بدوي يزداد غموضاً كلما استمرت حالة صمت كل من عاصروا الحادث من موقع المسئولية

من جهته طالب اللواء كمال حافظ بإعادة فتح ملف استشهاد أحمد بدوي، لكنه يرى ضرورة أن يتم “فتح القضية شعبياً لأن حكومياً ما حدش هيرضى بفتح التحقيق”، مطالباً بالتحقق من شهادة أحد قيادات المنطقة العسكرية الذي يحمل رتبة عميد والذي قال إنه سمع انفجاراً قبل أن ترتطم الطائرة بعمود النور، والبحث عن إجابة للغز نجاة الطيارين فقط في الحادث، ويضيف كمال حافظ قائلاً: “يمكننا فهم الحادث أكثر عندما نتأمل طبيعة العلاقة بين أنور السادات ووزراء دفاعه بدءا من محمد فوزي الذى أعاد بناء الجيش المصري لكنه دخل السجن بأشغال شاقة مؤبدة، وعندما طلب الإفراج عنه صحياً تم الإعلان عن ذلك بأسلوب الاسترحام، بعده جاء محمد صادق الذى خرج من منصبه بمشكلة وتم الحكم عليه بسنة سجن رغم أنه ساند السادات في أزمة 15 مايو، أحمد بدوي لمع في معركة أكتوبر وكان بيذيع بيانات لأمة العرب من سيناء وكان الكل يحكى عن بطولاته في الحرب لكنه دفع ثمن اعتراضه على تدخل الولايات المتحدة، ولا يجب أن ننسى الطبيعة الانقلابية لأنور السادات منذ بداياته، يعني شوف اللي حصل للفريق الليثي ناصف الذى اترمى من الدور التاسع وقالوا عليه كان بيدوخ، أحمد بدوي كان لامع ومحبوب في القوات المسلحة، صغير السن وبطل ومش من طباعه الخوف لذلك لم يكن من مصلحة السادات سجنه مثلما فعل مع سابقيه.. لذلك حدث ما حدث لأحمد بدوي”.

ويضيف كمال حافظ قائلاً: “تعال دوّر على اللي ساعدوا السادات في 15 مايو وأنظر كيف تخلص منهم واختفوا من مسرح الأحداث وجاب ناس من تحت الأرض ووضعهم على القمة ليكون ولاؤهم له. انقلب على زملائه من الضباط الأحرار وأنا بنفسي عندما كنت في مباحث القليوبية شاهدت كيف أصدر أوامره بتزوير الانتخابات في دائرة كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة، ورغم إني نصحت أمنياً بخطورة تزوير الانتخابات قالوا لي “الريس بيقول نجاح كمال سقوط لي شخصيا” وفعلا تم تزوير الانتخابات ونجح فيها محامي ما يقدرش يمشى لوحده في شوارع بنها.. وفعلا حدث ما حذرت منه واتحرق البنك ومحطة السكك الحديدية.. يكفي أن السادات انقلب على عبد الناصر الذي ساعده على البقاء في السلطة مع بداية الثورة، ده غير حياته الشخصية اللي كلها انقلابات، لذلك أنا مع فتح ملف استشهاد أحمد بدوي ومن معه من كبار قادة القوات المسلحة”.

في الوقت نفسه وأنت تتابع كل ما في ملف مقتل المشير أحمد بدوي من ألغاز وطلاسم لا يمكن أن تغفل التفاصيل التي تتعلق بنموذج الحادث نفسه والتي تكررت مع شخصيات سياسية وعسكرية بارزة في مختلف أنحاء العالم، لتثير تساؤلات ما زالت قائمة حتى الآن، ومن أبرز هذه الشخصيات الفريق عدنان خير الله وزير الدفاع العراقي وابن خال الرئيس العراقي وشقيق زوجته ساجدة خير الله، والذي تحطمت طائرته المروحية في مايو 1989 بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وفي ظروف كان عدنان خير الله يحظى فيها بشعبية ضخمة ربما كانت سبباً في إثارة مخاوف صدام من اتساع نفوذ خير الله الذي كان الإعلام العراقي يقدمه بوصفه نموذجاً للبطولة العسكرية لدى الشعب العراقي، وهو ما يبدو أنه دفعه إلى التخطيط للتخلص منه في أول أيام عيد الفطر، ثم إصدار بيان يزعم أن الحادث نجم عن عاصفة رملية أدت إلى سقوط طائرة عدنان خير الله.

قبلها بعامين وبالتحديد في يونيو 1987 كان قد تم تفجير طائرة عمودية عسكرية يستقلها السياسي اللبناني رشيد كرامي رئيس وزراء لبنان، وتم اتهام القائد العسكري سمير جعجع بالتورط في الحادث، وحكم عليه بالإعدام قبل أن يتم تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد، أما في أغسطس 1988 فقد وقعت حادثة سقوط طائرة الرئيس الباكستاني الجنرال ضياء الحق في ظروف غامضة، وعلى مدار السنوات التالية تواترت الشهادات عن وجود متفجرات في صناديق مانجو كانت موجودة على الطائرة، بينما قال ابن ضياء الحق إن لديه شهادات تؤكد رش غاز أعصاب في كابينة الطيارين لجعلهم يفقدون الوعي ويتسببون في سقوط الطائرة، فيما تحدثت شهادات أخرى عن استهداف الطائرة بصاروخ أدى إلى تحطمها، ومع أن السفير الأمريكي في باكستان كان على متن الطائرة مع ضياء الحق وكبار القادة العسكريين إلا أن أصابع الاتهام الشعبية توجهت نحو أمريكا وإسرائيل وتم ربط حادث الطائرة بالرغبة في التخلص من البرنامج النووي الباكستاني وإزعاج ضياء الحق المستمر للهند التي توثقت علاقتها بإسرائيل في تلك الفترة، وبرغم كل ما أثير حول الحادث من تفاصيل لم يتم حسمه حتى الآن، وهو ما تكرر أيضاً حين انفجرت الطائرة التي كانت تقل رون براون وزير التجارة الأمريكي أثناء رحلة له إلى البوسنة في عام 1996، وقيل وقتها إن صاروخاً أطلقته القوات الصربية أصاب الطائرة فانفجرت في الجو، وأن واشنطن تكتمت التفاصيل لأسباب سياسية معقدة، لكن ذلك لم يتأكد حتى الآن.

يبقى أن نقول بعد كل ذلك إن لغز مقتل المشير أحمد بدوي يزداد غموضاً كلما استمرت حالة صمت كل من عاصروا الحادث من موقع المسئولية، وجميع من يملكون معلومات ولو ضئيلة تسهم في حل هذا اللغز الصعب، لغز اغتيال الرجل الكبير المشير المنتصر أحمد بدوي.

كان هذا نص التحقيق الصحفي الذي اشتركت فيه مع الزميل سمير عمر، وكان دوري منصباً على عرض كتاب محمود فوزي وكتابة التحقيق الذي نشرناه في صحيفة (الدستور) في أواخر عام 1997، وكان سبباً في إحالتنا إلى النيابة بالشكل الذي حكيت عنه من قبل في تدوينة (أنا والكلابش وحرامي الأنبوبة) التي نشرتها في هذه المدونة على حلقات، ولعلك حين تقرأ التحقيق تفهم لماذا تمت معاملتي بهذا الشكل في النيابة، وتدرك أن كل ما طرحناه من أسئلة وشهادات لا زال يحتفظ بأهميته وغموضه برغم مرور السنين، ولا زال ينتظر الإجابة التي ستقول الكثير ليس فقط عما جرى، ولكن عما يجري لمصر وعن طريقة صنع القرارات السياسية والعسكرية فيها بالشكل الذي أفضى إلى ما هي عليه الآن.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *