“آتين”… أسئلة تُفضي إلى الصمت

من قلب باريس، يوقظ فريق “آتين” الخُماسي، جمالية الألحان الإيرانية، وفق رؤية تفتح العيون على أكثر من لقاء. هكذا أيضاً، عرّف الفريق النسائي نفسه من كلمة فارسية قديمة (آتين)، تعني اللقاء بعد فراق طويل، أو لمّ الشمل. وعن ذلك، يفصح إصدارها الأخير، بتكوينها شرقاً متعدّداً عبر 11 مساراً صاغها الحنين.

تبدأ الموسيقى في إيران، بصوت ذي طابع عربي، يستهلها القانون على مقام الحجاز. إنّه شرق يغترب في الداخل، وتستعيده الموسيقى من الخارج، كما لو كان معقوداً بتصور الصوفي. فما هو رؤيوي يتجسد بتوحد العاشق، ليصبح أكثر صدقاً من الواقع. إنّها كذلك تجليات جمالية، تمتزج فيها الزخارف اللحنية، وبصورة ما، تتيح مجالاً لإظهار شرق أوسط متصالح، ومتعايش، على خلاف تشظيه الدامي والإشكالي على مسرح الواقع.

في “آتين” تجتمع خمس نساء؛ ثلاث إيرانيات، وفرنسية، وفلسطينية، من أجل إعادة ترتيب أغانٍ من التراث الإيراني، بمصاحبة صوت عربي مجاور. تمنح آيدا نصرت، الغناء الإيراني عذوبة لحنية، بينما تتناوب الآلات الوترية الثلاثية لتأليف صورة تختزل هذا اللقاء: سوغول مرزاي على التار الإيرانية، والفلسطينية كرستين زايد على القانون، كما تؤدي موالاً عربياً. وتؤدي ماري سوزان على الفيولا الأوروبية. وتقوم ساغار خادم، بالضبط الإيقاعي على التومباك- الزرب.

وبعيداً عن أيّ بعد تأويلي، فوجود الآلات تحكمه أسسٌ صوتية؛ تتراوح بين الحدة والغلظة، وبين الجرسية والرهافة. كما لو كانت مجموعة من ألوان على لوحة، أو زخرف. وهو البعد الصوتي الذي استهله القانون على مقام الماهور. ليبدأ اللقاء بقصيدة شيخ بهائي “آي تير”، وتعني “القلوب غايتك”.

مدخل ترنيمي شجي يتيحه مقام الحجاز على الوتريات، ويأتي الغناء مهللاً مستبشراً بمحبة غايتها القلوب. في القسم الثاني، يدخل صوت الفيولا الغليظ بامتداد يوحي بأنه صوت نبوءة، أو سؤال يفضي إلى صمت. ثم يستأنف التار بنبرة تحضر في غناء المطلع، تمهيداً لتصعيد تعلو نبرته بنسيج زركشي يبلغ الذروة في غناء أكثر ترنيمية، مع مسحة توتر تطلق الصوت من الصدر مشتعلاً بالغاية، ويكون الانفراج في الختام أشبه بوصول.

ومع بلوغ المحبة يكون الوهج، ذلك ما تخبرنا عنه “آتش عشق” وتعني “شعلتك”. القصيدة  لـ علي أكبر شيدا، الشاعر الفارسي، الذي عاش في القرن التاسع عشر. يدلف القانون بتقسيمات شرقية على مقام السيكاه، ينتقل للأرابيسك ويشكل دخول التار ضربات جرسية تُهيئ لغناء مُفعم بجلال السيكاه.. بينما يشهد التكوين الموسيقي تمازجاً بين الأرابيسك العربي والمنمنمة الفارسية؛ صوت القانون وصوت التار.

لا ينتهي اللقاء المنسوج بفراق طويل؛ إذ يطرح علينا شعر سعدي الشيرازي، المتصوف الإيراني الشهير، بقصيدة “ياري” أي “حلاوة الرفقة”. ولنتفهم رؤية “آتين” فإنّ تصاعد أوتار القانون يُحدث أرجوحة يسير عليها صوت الفيولا الغليظ، مع نبرات للتار، لتتخذ طابعاً حلولياً لوظائف تتداولها الآلات. لكنّ هذا التكوين يشبه المسار – الصحبة التي تمنح اللقاء عذوبة يجسدها مقام النهاوند بشدو شجي. ففي لحن المطلع، يكون طابعه إلقائيا، لكنه في الغصنين، يتسم بلحنية أكثر استرسالاً وتنغيماً، كما لو كانت عاطفة تذوب ثمالة في الطريق، فيما ترسم الملامح الآلاتية تمازجاً لعبياً منبعثاً ومتداخلاً، يشبه صوت الرفقة التي ينسج حلاوتها هذا الفضاء الصوتي.

ومن خلال المسارات، يحدث تكوين مترابط، يشبه واحة الإفضاء عن المكنون الداخلي للقاء جاء بعد غربة طويلة. وفي Last Sunset (الغروب الأخير) يأتي دور التأليف الآلاتي بلحن للفلسطينية كرستين زايد. هذه المرة يستهل التار البداية، كما لو كان النسيج الثقافي يترنّم بعنصرين؛ أحدهما إيراني والآخر عربي. إنها أيضاً لعبة صوتية، نسيج توافقي للنغمات. وبصورة عامة، تحمل القطعة تكويناً رهيفاً على مقام النهاوند.

مع حلول الغسق، يحين وقت الثمالة، لنصل إلى أغنية Saghi، وتعني للساقي أو لحامل الراح. عمل فيه مساحة لإرواء عطش الروح. القصيدة للشاعر عارف قزويني المتوفى عام 1904. أيضاً، تتشكل سلسلة من الدلالات اللحنية، تستحضر معها محطات وصفية، ما بين اللحن/المكان والشعر/الزمان، إذا قدّرنا أنها تحمل تكويناً شعرياً ممتداً من القرن الثالث عشر إلى مطلع القرن العشرين.

فالنسيج الوتري يستعيد رقصة شرقية إيحائية، لكنها تتطرق بإنشاد إلقائي، لجمالية اللحن الإيراني. وفي كلّ انبعاث ينطلق بالثمالة، تحكي عنه نشوة يستحضرها مقام العجم، من خلال التحول اللحني من الجواب إلى القرار، والذي تبلغ معه الثمالة أكثر انبعاثاتها صدقاً وكشفاً. إنّها أيضاً محطة تلتقي بما سبقها من مفترقات طرق، كما أنّ المسحة الموقعة في النبر الموسيقي تغدق على اللحن طابع الحركة، وتتضمن خاتمة مسرحية توحي ببلوغ التخمة من نشوة هي خاتمة محطة.

هنا، يبلغ اللقاء ملمحاً غافياً، يشبه استعادة لأصداء، أو فاصلاً يبوح فيه صوت التار بنسيج شرقي يبلغ قتامة الليل نفسه.

يبدو أن اللقاء يشرف على النهاية، وينبعث هذه المرة الغناء مباشرة من دون تمهيد موسيقي في “دِل” أو “القلب المحروق”، وهي قصيدة تعود للشاعر الإيراني حسن صدر سالك. وكما لو أنّ لواعج أُثيرت بأكثر من ذكرى، حزن يقتفي صوت الليل المسكون بالفراق. ويستمر صدى التار في مصاحبته الغناء كهدهدة أليمة. فبعد اللقاء، لا بدّ للفراق من أن يحدث.

وهو ما تلوح به موسيقى Retours، أو العودة، من تأليف سوغول مرزاي. تتخذ الأوتار مسحة متقطعة، حتى تحشد ضرباتها بدفق توحي ملامحه بالطريق. يبرز التار متيحاً المجال لصوت القانون، وكأنه أيضاً وجهة عكسية، أي من الشرق إلى الغرب. وفي نفس الوقت، تفضي إلى دور إيقاعي تلعبه الكوردات وصوت التومباك منفرداً، كإيحاء حركي لشكل العودة، كما أن هناك مساحة تدلي بها الفيولا بنبرة متسارعة على خلاف ما كان مهيأ لها من امتداد ناشج. وبعد أن تتداول الأوتار ضربها، يطرق التار قفلته نبراً أو غمزاً، فهل انغلق باب؟

يغدو الأمر ممتلئاً بأكثر من تجسيد صوتي، فاللعبة صوتية أيضاً، ولعل في ذلك إيحاء مربك يتعارض مع ما يفضي إليه طريق “آتين”. ويحدث فاصلاً آخر قصيرا بصوت ناشج للفيولا، حشرجة دفينة. وفي نفس الوقت، إيماءة للقاء آخر.

وبعد كل تلك التقاطعات والمسارات، يكشف فريق “آتين” عمّا يرمي إليه الصوفي من الرؤى المتجسدة. “تيه السُكر” أو “همة عُمر” آخر عمل في الألبوم، يجسد غاية تتجاوز المعنى الظاهري بابتغاء النشوة في حضرة ما هو أسمى.

ينقسم العمل إلى جزأين، افتتاحية قصيرة يفاجئنا فيها غناء عربي بطابع الموال على مقام أصفهان بصوت كرستين زايد، وفي الجزء الثاني يحضر نفس اللحن بغناء آيدا نصرت الإيراني. ينسج فيه الصوتان محاورة تدمجها الموسيقى. كما لو أن تلك علامة، أو خلاصة، بلغها هذا اللقاء المشحون بحنين فراق طويل. فيحمل معه شرقاً متصالحاً، تقاطعت فيه الثيمات اللحنية، لكنّه يبدو متجسداً بجذور صوفية مشتركة، يمثلها الحلاج وسعد شيرازي… ويا له من لقاء يرسمه طابع لحني يتطلع للانهاية.

لعلّ تلك رؤية “آتين” التي تحاور شرقاً مُغيباً، مدفوناً بمظهر منغلق ودامٍ، لكنه حقيقي أيضاً، وتكشفه تلك المحاكاة الجمالية. ربما اتخذ العمل تصوراً مقلوباً لمفهوم أرسطو الذي يقول إن الموسيقى تُحاكي الطبيعة أو الواقع، لتكشف عن واقع يُحاكي الموسيقى، أو مُجسّداً فيها، يختلط برؤية صوفية.

وبالتالي، تفتح ذراعين ممتدتين في الاتجاه الأكثر التباساً نحو الغرب، بفضائه المجاور حتى شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، لتصاحبه إلى قلب الغرب الأوروبي. وما الأخير إلا المكان الذي يحدث فيه الاجتماع بتجل صوفي، فما يتجسد بالرؤى الجوانية يصبح حقيقياً. وأكثر من ذلك، تلك الروح المشغولة بجمال الموسيقى؛ رحلة تبلغ تيه السُكر بالفن.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *