واشنطن ترفع وتفرض عقوبات على إيران: توجيه رسالتين متناقضتين

قبل أن تنطلق الجولة السادسة لمباحثات فيينا غير المباشرة بين طهران وواشنطن، شهدت الأيام الأخيرة سجالاً لا يزال مستمراً بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا والوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة ثانية، على خلفية نشر المدير العام للوكالة، رافائل غروسي، تقريرا بشأن برنامج إيران النووي.   

غروسي اتهم إيران بعدم التعاون وعدم الرد على أسئلة الوكالة حول أربعة مواقع مشتبهة بممارسة أنشطة نووية غير معلنة فيها، من جراء عثور مفتشي الوكالة على آثار اليورانيوم المخصب ومواد نووية أخرى فيها، حسب تقرير وكالة الطاقة الذرية الدولية.

غروسي اتهم إيران بعدم التعاون وعدم الرد على أسئلة الوكالة حول أربعة مواقع مشتبهة بممارسة أنشطة نووية غير معلنة فيها

ويؤكد غروسي، في تصريحاته، خلال اجتماع مجلس محافظي الوكالة، المنعقد خلال الأيام الأخيرة لمناقشة الملف النووي الإيراني، أن إيران تقوم بتخصيب اليورانيوم بنسبة، تفعلها دول تمتلك السلاح النووي، فضلاً عن أن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن أيضا قد تحدث في جلسة بالكونغرس، الإثنين الماضي، عن أن فترة الاختراق النووي الإيراني، ستتراجع إلى عدة أسابيع في حال واصلت إيران خطواتها النووية بهذه النبرة، والفترة هي الوقت الذي تحتاجه دولة تمارس الأنشطة النووية لصناعة سلاح نووي.  

إلى ذلك، أصدرت الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) أيضاً بيانا دعت فيه طهران إلى الامتثال سريعا لتعهداتها النووية والتعاون مع الوكالة الدولية، كما صرّح المندوب الروسي في الوكالة ميخائيل أوليانوف، الخميس، بأن الوضع الراهن يدعو لـ”قلق جاد”، قائلاً إن ذلك نتيجة وقف العمل بالاتفاق النووي، ومحمّلا واشنطن مسؤولية ذلك.  

في خضم هذا السجال الحاد قبيل انطلاق الجولة السادسة لمباحثات فيينا، أقدمت الإدارة الأميركية على خطوتين ملفتتين للنظر خلال الساعات الماضية، تجاه طهران، تثيران تساؤلات متعددة عن أهدافهما لكونهما متباعدتين ومتناقضتين. 

وتتمثل الخطوة الأولى في رفع العقوبات عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين في القطاع النفطي، وشركتين تعرضتا للعقوبات الأميركية سابقا بتهمة الالتفاف على العقوبات، أما الخطوة الثانية فهي فرض عقوبات على 7 أشخاص و4 شركات وسفينة بتهمة الالتفاف على العقوبات، والتعاون مع “فيلق القدس” وجماعة “أنصار الله” اليمنية، علماً أنه لا يوجد من بين هذه الشخصيات والكيانات إيرانيون، على الرغم من أن العقوبات فرضت بتهمة العلاقة مع “الحرس الثوري” الإيراني. 

وبررت الخارجية الأميركية رفع العقوبات عن الأشخاص الثلاثة والشركتين بتغيير سلوكهم ووضعيتهم، فيبدو أنه تبرير منطقي، فالمسؤولون الإيرانيون الثلاثة الذين شطبت واشنطن أسماءهم من قائمة العقوبات، باتوا في عداد المسؤولين السابقين، ولم يعودوا في المناصب التي كانوا يتولونها حين تعرضهم لتلك العقوبات. 

والأشخاص الثلاثة الذين تم رفع العقوبات عنهم هم أحمد قلعه باني، المدير التنفيذي السابق لشركة نفط إيران الوطنية، ومحمد معيني من المدراء السابقين في شركة “نفتيران” الإيرانية، ذو الجنسية المزدوجة الإيرانية والبريطانية، وفرزاد بازرغان، من المدراء السابقين في شركة “هنغ كنغ إنترتريد” التابعة لشركة شركة نفط إيران للتجارة الدولية (Naftiran Intertrade Company).  

وبالتالي، فإن عدم بقاء هؤلاء الأفراد في مناصبهم واطمئنان واشنطن من عدم وجود علاقة مؤثرة لهم مع تلك الشركات، اعتبرته الإدارة الأميركية تغييراً لوضعيتهم ليشكل ذلك مسوغاً لرفع أسمائهم من على قائمة العقوبات، كما أن الشركتين اللتين خرجتا أيضاً من القائمة هما شركتان صينيتان فُرضت عليهما العقوبات عام 2020 بتهمة مساعدة إيران في الالتفاف على إجراءات الحظر، فيبدو أن واشنطن اطمأنت أيضاً من تغيير سلوك الشركتين، ما شكل أيضا مبررا لرفعهما عن القائمة.  

وعلى أي حال، لن يؤدي رفع العقوبات عن أشخاص إيرانيين وشركتين صينيتين، إلى أدنى تأثير في تراجع الضغوط الاقتصادية القصوى على طهران، لكن الإجراء ربما يترك آثارا نفسية مؤقتة ترفع قليلا قيمة الريال الإيراني خلال اليومين القادمين مقابل العملات الأجنبية في سوق العملات.

وفي حال كانت إحدى تلك الشركات النفطية الإيرانية التي رُفعت العقوبات عن مسؤولين سابقين لها، قد خرجت من قائمة العقوبات، فحينها سيكون الحديث مختلفا عن تأثيرات الخطوة، وسيمكن الحديث عن تداعيات إيجابية مهمة، لكن إخراج ثلاثة مسؤولين إيرانيين سابقين وشركتين صينيتين، ساعدتا سابقا طهران في الالتفاف على العقوبات، لا تترتب عليه آثار اقتصادية. 

ومع ذلك، وبغض النظر عن المسوغات الأميركية للإجراءين المتناقضين، أي رفع العقوبات عن أشخاص وكيانات وفرضها على أشخاص وكيانات أخرى، تقول واشنطن إنها على ارتباط بالحرس الثوري الإيراني، فالخطوتان في هذا الظرف الزمني أثناء مفاوضات فيينا وقبيل انطلاق جولتها السادسة، لهما دلالات محددة وتحمل رسائل، ترتبط بهذه المفاوضات نفسها، إذ إن رفع عدد من العقوبات وفرض أخرى جديدة، يأتيان في صلب المسار الذي تتخذه الإدارة الأميركية في فيينا.  

أما كيف؟ ففي الإجابة يمكن القول إن واشنطن تريد من خلال رفع تلك العقوبات إيصال رسالة إلى إيران وشركاء الاتفاق النووي المشاركين في مفاوضات فيينا، مفادها أنها ليست لديها مشكلة في رفع العقوبات غير المنسجمة مع الاتفاق النووي. 

 وكما سبق أن نشر “العربي الجديد”، نقلاً عن مصادر مواكبة لهذه المفاوضات، فإن الولايات المتحدة مستعدة لرفع العقوبات الاقتصادية غير المنسجمة مع الاتفاق، وبالتالي إنها من خلال الإجراء الأخير المتمثل في رفع عقوبات، أرادت التأكيد عمليا على ذلك، على الرغم من أن الخطوة كما ذكر آنفا، لا تترتب عليها نتائج اقتصادية. 

أما وضع أفراد وكيانات جديدة على قائمة العقوبات بتهمة العلاقة مع “فيلق القدس” الإيراني، الذراع الخارجي للحرس الثوري، فيبعث رسالة متناقضة عن الرسالة آنفة الذكر، لكن هذه الرسالة تأتي أيضاً في صلب السلوك الأميركي في مباحثات فيينا، فتؤكد الإدارة الأميركية من خلال فرض هذه العقوبات أنها ليست بصدد رفع الحظر عن “الحرس الثوري” الإيراني. 

وفي الحقيقة، كما نقل أيضا “العربي الجديد” خلال الفترة الأخيرة عن مصادر مواكبة لمفاوضات فيينا، فإن أحد الخلافات الرئيسة بين طهران وواشنطن يعود إلى معارضة الأخيرة شطب الحرس من على قائمة العقوبات، غير أن إيران ما زالت تصر على ذلك، مؤكدة أن بقاء هذه العقوبات يمنح مسوغا ومبررا للإدارة الأميركية لإعادة فرض العقوبات التي قد ترفعها خلال تلك المباحثات، لاحقاً وقتما تشاء بذريعة العلاقة مع الحرس الثوري.  

والخلاصة أن الجولة السادسة من مباحثات فيينا تنطلق خلال الأيام المقبلة، على ضوء استمرار هذا الخلاف وخلافات أساسية أخرى، فالسؤال الملح أنه هل سينجح الوسطاء (أطراف الاتفاق النووي) في إيجاد حلول وسط لهذه الخلافات خلال الجولة السادسة للوصول إلى اتفاق يحيي الاتفاق النووي أم لا؟

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *