“نيوتن” لا يعرف العراق

يتجاوز عدد تلاميذ العراق وطلابه ثمانية ملايين نسمة، يتوزّعون على مختلف المراحل التعليمية بما فيها الجامعات. لكنّ أهالي وطلاب العراق يواجهون انهياراً في الخدمات العامة، من ضمنها بالتأكيد شبكة الإنترنت. لذلك تحرّك هؤلاء في مختلف مدن العراق، وفي المقدمة العاصمة بغداد، مطالبين بإصلاحات ومساءلة المسؤولين في السلطة، وواجهوا عمليات اغتيال من قبل مجموعات مسلحة وأشكال قمع متنوّعة. بالتأكيد يعرف القاصي والداني الظروف التي يجتازها العراق اليوم، وهي تضغط على التلاميذ والطلاب والمعلمين والأساتذة والأهل بطبيعة الحال.
وعندما دخل فيروس كورونا الجديد إلى البلاد، أضاف جديداً إلى المعاناة العامة، وضاعف من المصاعب التي يعانيها القطاع التعليمي. وبعدما كانت وزارة التربية العراقية قد خططت لإطلاق منصة “نيوتن التعليمية” مع بداية العام الدراسي الجاري، تأخّرت في الوصول، ما أعاق إطلاق المنصة وحدا بالمدارس منفردة إلى العمل على حدة و”قلع شوكها بيدها” واعتماد إرسال المواد عبر تطبيق “تيليغرام” أو مجموعات “واتساب” لضمان سير الواجبات المدرسية بما تتضمنه من دروس وفروض وأجوبة.
بدوره، باشر القسمُ الإعلامي في وزارة التربية بثَّ حلقات المواد العلمية لكلّ المراحل على القناة الفضائية التربوية التابعة لها. لكنّ هذا البثّ ما لبث أن أظهر مشكلتَين، تمثّلت الأولى بأنّ القناة تعرض الدروس لمرّة واحدة فقط، أمّا الثانية فأفدح، إذ أظهرت المعطيات أنّ عدد متابعي هذه القناة من التلاميذ قليل قياساً بأعدادهم الفعلية.

إزاء مثل هذا الوضع، حاولت المدارس العمل على حلّ مشكلات تلاميذها بنفسها، نظراً إلى المشكلتَين السابقتَين، من خلال إنشاء صفحات خاصة بها على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتيليغرام وغيرهما. ومن خلال هذه الوسيلة، يجري التواصل مع الطلاب وإرسال الواجبات وبثّ الدروس مصوّرة أو مكتوبة. لكنّ نجاح تجربة من هذا النوع يتطلب مساعدة الأهل لتعويض الرقابة المدرسية المفقودة في هذا النوع من التعليم. ويشكو التلاميذ من تكدّس الأعباء التي تترتب على مثل هذا الأسلوب من دون هضم ما سبق. أمّا المعلّمون فيتذمرون من طول مدّة التحضير اليومي للتعليم عن بُعد، خلافاً لما تعوّدوه من تحضير منزلي وشرح في الصفوف. وينزعج التلاميذ من أنّ ثمّة معلّمين يرسلون الدروس مصوّرة بطريقة “بي دي إف”، وقد تكون الصور غير واضحة ومن الصعب قراءة المادة أو استيعاب مضمونها. وهي غالباً ما تصل إليهم من دون شرح، ما يسبّب ارتباكاً شديداً وعدم فهم للمادة. بدورهم، يشكو الأهل من مضاعفة مسؤولياتهم المدرسية. ففي حين كان الأهل المقتدرون علمياً على مساعدة أبنائهم ينجزون مثل هذه المهمة في وقت مقبول، بات عليهم الآن شرح الدروس كاملة. وكأنّ التعليم عن بُعد لم يصل منه شيء لأبنائهم.
في الجامعات، كان المشهد قريباً مما هو عليه في المدارس، أي بروز مشكلات تقنية وتربوية متداخلة لدى ثلاثي معادلة التعليم الرقمي. لكنّ الأبرز يظلّ تأثير التراجع الاقتصادي العام والاجتماعي للعائلات، فالوزارة المعنية تعاني من نقص في التمويل المتلائم مع أكلاف توفير حاجات التقنيات الحديثة، كما أنّ الأهل والطلاب عاجزون بدورهم عن توفير الهواتف الخلوية والألواح الذكية في ظلّ ظروف أقلّ ما يُقال فيها إنّها بائسة.
(باحث وأكاديمي)

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *