الجبهة التونسية المفككة

نزلت الحكومة التونسية بكل ثقلها في ليبيا نهاية الأسبوع الماضي وأعادت الخطوط التونسية رحلاتها مع ليبيا بعد زيارة لكل من رئيس الحكومة هشام المشيشي ووزراء ورؤساء منظمات رجال الأعمال والعمال، وعشرات رجال الأعمال والشركات. يُفهم ذلك على أنه متنفس تبحث عنه تونس منذ سنوات، وتنتظر أن يستقر ولو نسبياً، ليفك كل منهما عزلة الآخر وضيقه على مدى السنوات الصعبة الماضية. المشيشي قال من ليبيا إن “ما يجمع تونس وليبيا يتجاوز الأطر الدبلوماسية والسياسية والمبادلات الاقتصادية على أهميتها، ويشمل الروابط الإنسانية والتاريخية”، مؤكداً “استعداد تونس التام لمرافقة ليبيا في مرحلة البناء المقبلة، لأن مصير البلدين مشترك”. ورد عليه رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة بالقول “لن نترك تونس وحيدة في مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، وسنقوم بكافة الخطوات اللازمة لمساعدة الأشقاء، وسيتم إرسال معدات طبية للجنوب التونسي للمساعدة في مواجهة كورونا، وإذا توفرت لدينا اللقاحات ضد كورونا بكميات كبيرة سوف نعمل على مساعدة بعضنا”. وأكد الدبيبة أنه ستتم “تسوية أوضاع العمال التونسيين في ليبيا وتجديد عقودهم، وسيتم رفع القيود عن اعتمادات البضائع الآتية من تونس براً بالنسبة للشركات التونسية”.

كلام مطمئن لحكومة تونسية تبحث بصعوبة كبيرة عن مخارج لأزماتها المتراكمة، تحاول أن تحقق بعض المكاسب على أي جبهة، في المباحثات الثنائية مع شركائها الاقتصاديين المهمّين، الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والمانحين من الدول الغربية والعربية، إلا أنها تتوجّه إلى كل هؤلاء وجبهتها الداخلية مفككة، فرئيس الجمهورية قيس سعيّد يصرح من باريس على هامش مؤتمر لدعم الاقتصاديات الأفريقية أن المناخ السياسي في تونس لا يشجع على الاستثمار، كما يؤكد مسؤولون داعمون للحكومة أنه تتم عرقلة اتفاقات دولية للحكومة وتعطيل وصول مساعدات، بينما يروّج كثيرون أن المحادثات مع البنوك الدولية فاشلة ولن تحقق شيئاً.

هذه فضيحة بكل المقاييس تنبّه إلى تعاسة الوضع السياسي الذي وصلت إليه البلاد والذي بلغ حد ضرب مصالح التونسيين العليا والمساس بقوتهم، وكأن الخلافات السياسية تبرر كل شيء، اضرب عدوك بأي شيء وفي أي مكان وزمان ومهما كان الضرر له أو لغيره. يعتقد بعضهم بسذاجة كبيرة أن تأزيم الأوضاع الداخلية يمكن أن يمهد لتغييرات تخدمه، لكنّ أمراً تاريخياً غاب عن هؤلاء، وهو أنه إذا ما تردّت الأوضاع وساءت، فسيجرف الغاضبون الأرض من تحت أقدام الجميع، وسنندم جميعاً على أننا لم نرعَ وردة الديمقراطية اليتيمة.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *