“قيم الجمهوريّة” لا تسري على فلسطين

لا يحتاج الواحدُ أن يكون مُثقّفًا عُضويًّا ولا مفكّرًا موسوعيًّا، ولا حتى باحثًا جامعيًّا، ليَلحظ البرودَ الثقافيّ والسياسيّ الذي طبع مواقف أغلبية هؤلاء الذين كانوا يَملؤون الشّاشات والمنابر، كلّما أُصيب أحد الأوروبّيين بشرارة طائشةٍ من حِمم “التشدّد الإسلامويّ”.

لا إدانةَ واضحةً لما يَجري في فلسطين من فظاعاتٍ وجرائمَ، من صانعي المشهد الثقافي، مع أنَّ أدنى واجبٍ إزاء المعرفة التي باسمها يتكلّمون، أن يشهدوا على ما يُقترف في ساحات التاريخ من مَجازر. يَرى مثقفو العالَم بأسره القنابلَ تحصد عشرات الأبرياء وتدمّر المباني على مَن فيها من أطفال ونِساء، فلا يرفّ لهم جفن، سوى تصريحاتٍ جاهزة، لغتها متخشّبة، لا أثر للصدق فيها. نتساءل عن جدوى التحليلات الاجتماعيّة وعن معنى التنظير المعرفي الذي لطالما ملأوا به الكتبَ والمقالات والمواقع.

صمتٌ أدينه بِأصدق عبارات الإدانة، ولا أريدها أن تمتزجَ بهذه الإدانات الرسمية الباردة، التي تُطلقها بعض المنظّمات والهيئات، بعد اتخاذ احتياطاتٍ وتحفظّاتٍ، يتعب العقل في تتبُّع تراكيبها، ليظفر في نهاية المطاف بشَجب أقربَ لانتقاد موت قطٍّ في الطّريق العام. لذلك، أدين، صادقَ الإدانة، غيابَ صوت المثقفين والمحلّلين من المَشهد الإعلامي الفرنسي، مع أنهم كانوا يصمّون الآذان بنقاشاتهم حول “حقوق الإنسان” (الأوروبي طبعًا)، و”الشَّرعيّة الدوليّة” و”سيادة القانون” وكرامة البَشر (من الأوروبيين قطعًا)، حين يَشيع أدنى نَبَأ لقَصف بيتٍ أو مهاجمة فَرد، ولو من مختلّ معزول. تكون الوصفة آنذاك جاهزة: ربطٌ سريعٌ بـ”الإرهاب”، ثم تمجيد لقيم “الجمهوريّة”، ولِم لا في أحسن الأحوال تَأصيلٌ لإسلام فرنسا، وفي أسوَأها دعوة لطرد المُهاجرين وإعادة تحرير القرآن. هكذا، في سلاسة مدهشة ومَنطق مقيتٍ.

كأن مئات الضحايا الأبرياء آثار جانبيّة لمناوشات عرضيّة

أنظر إلى مفردات الإعلام الدائر وخطابات قلّة من أهل الثقافة تكلموا هنا وهناكَ، فإذا بها تستعيد الأيام المروّعة الماضية بفلسطين، كما لو كانت مُجرّد “مناوشات” و”أزمة” و”توتّرات” تجري عاديًّا في “الشّرق الأوسط”. هكذا، بكلّ هذا التمطيط الجغرافي: مئات الضحايا من الأطفال والعجّز والنساء آثار جانبيّة لمناوشات عرضيّة، تقع في “الجزء الآخر من الأرض”. وقَبله طرائف رَفع الحجْر الصحّي عن المقاهي والساحات.

ولا أدري هل هذا التهميش للفظاعة خبثٌ كامنٌ في وسائل اللغة، أم مكر لدى مُستخدميها أولئك، حيث يبحثون في أرصدتها عن أخفّ الكلمات وقعًا، ويطلقونها سريعًا، وسط غابة من أخبار، حقًّا تافهة، تشتّت الوعي وتلهي القارئ. المهم، لا تُزعَجُ حساسية المثقّف ولا يَظهر عجزه، حينها تُكذِّب الأحداث أطروحته التي يصوغها في الرخاء وهشاشة ما يَبينه من أنظمة القيم: تلك التي يشرّع بها سياسات الكيل بمَكاييل: مكيالٍ واحدٍ لأوروبا، وآلاف المكاييل الأخرى يُنتجها تباعًا، عن كل حالة تقع في بقيّة دول العالم. والأغرب سلسلةٌ من تَعليلات جاهزة، تتسوّر تَركيباتٍ ذهنية، يُبرَّر بها هذا الصمت، فتجري عباراتٌ من قبيل: “صِراع معقّد” و”نزاع أبديّ” و”قضية أممية مَحلّها منابر الأمم المتحدة”، وغيرها من صيغٍ، كأنها قواعد من مجلّات القانون الدوليّ، تَهول السامعينَ بِطابعها الرسمي وتُخرسهم بأسلوبها المقدّس. يَعلم مَن يطلق هذه الصّيغَ الخشبية أنّه يكذب على نفسه ويداري عَجزه. ما جدوى المعارف إزاء الموت المنتشر، إذا صارت تحصينًا للوَهم وتزييفًا لحقائق الألم. أدينُها بصدقٍ، تلك المَعارف.

وحدهم الفلسطينيون، على اختلاف مشاربِهم الفكرية، أدركوا هذه البداهة: تقيَّم الفظاعات المرتَكَبة ضدّهم بميزانٍ خاصّ، يُصنع استثناءً لهم، في سبيل أن يَبقوا خارجَ “القيم الكونيّة”، فليسوا جزءًا من أي كونٍ ولا تَشملهم أنظمة التحقيق القانونيّ ولا قواعد شِرعته الدوليّة. حتى لغة الفظاعات لا تقوى على تصوير ألم ما يكابدون قصفًا وتدميرًا: ما يَجري اليوم في أرضهم “مناوشات”.

* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *